المشاركة المعمارية الليبية في المسابقة الدولية لتصميم مدينة العلوم بالقاهرة .. ترقبوا كوكبة العمارة الليبية القادمة

ان الوسط المعماري الليبي كأي وسط نخبوي له طموحاته في الوصول إلى مساحات الضوء الإعلامية الدولية، والنجومية، تطلعات بطولية قد لا نجد لها سقفا احيانا. وقطعا دائما كان السؤال الإستفزازي لماذا لم تتحقق هذه الطموحات ؟ ولم تتبلور هذه التطلعات حتى يومنا هذا وبشكل رصين؟

هنا قد يكون من المجدي أن لا نقع في فخ هذا السؤال الإستفزازي، لينغلق الحوار في البحث عن أسباب وذرائع بعضها يصب في صالح الوسط المعماري والبعض الأخر يضعه في موقع إتهام دون أن يؤتي أي ثمار. لذا لن تكون وجهة النقاش صوب الأسباب بالقدر الذي يجب أن تسعى فيه إلى طرح إجتهاد أرجو أن يكون معه فرصة الأجيال الشابة الواعدة من المعماريين والمعماريات.

 عندما تم الإعلان عن مسابقة معمارية دولية مفتوحة لتصميم مشروع “مدينة العلوم” بمدينة ستة أكتوبر، جيزة القاهرة، كنت، مؤملا أن يسعى الوسط المعماري الليبي للمشاركة بأي ثمن حتى في ظل الظروف التي لا تمس الحد الأدنى من فرص العيش الكريم فحسب، بل تطول أمن وسلامة الإنسان.

لم تمض أيام حتى وصلتني رسالة من منذر حراقه، معماري ليبي شاب ، يسألني المشاركة في المسابقة، محفزا بأن شعورا طيبا حيال هذه المسابقة يغمر نفسه، وبدون تردد وافقت شريطة أن يتم الإلتزام بتسليم المشاركة تحت أي ظرف.

قام مجموعة من الشباب في البدء بتشكيل فريق صغير تعثر في إنطلاقته، وبدا شئ من تباين وجهات النظر تطفو على سير العمل، إلا أنه تدريجيا تمكن الجميع من تذويب كيان الأنا لتنصهر في روح الفريق، وتمكن من تقديم عمل في زمن قياسي وفي ظروف ليست بخافية على أحد.

اليوم أعلنت نتيجة المسابقة ، ولم يكن أحد بانتظار الفوز بالقدر الذي يكون فيه معرفة حجم المشاركة الدولية فتبين ثقل المشاركة وتبين معها رغم حداثة التجربة صلابة التحدي لهذه المجموعة الطيبة .. تحدي للذات أولا في أن تتطلع للمصاف العالمي وثانيا للإدراك الواعي بأن الخبرة لها ثمارها وأن السعي في مسار اكتسابها الشاق يتطلب صبر وشجاعة وروح الفريق في المثابرة…

فليكن في البدء تقديم الشكر والامتنان العميق لهذه الكوكبة الشبابية التي منحتني الثقة في أن الخير في ليبيا باق رغم الزمن الكئيب الذي تمر به ..

منذر حراقه . أروى المغبوب. شذى الماجري. خليل الشاوش. أريج العزابي. رنده العالم. وئام حريب. رياض اللطعي. عبد المطلب الشكشوكي. أمير أبوخريص. محمد القاضي. محمد ستيفادور. هاشم أبوقرين. ناديا جبريل. فدوى المزوغي

تبقى الإشارة إلى أهمية الإستعداد بشكل عملي لممارسة العمل المعماري في ليبيا. على شباب الوسط المعماري اليوم إدراك الفخ الذي نصب دون دراية ليتوالى الجميع الوقوع في براثنه، وهو صنيع يد المعماري والمعمارية.. إنه الشعور بالحاجة للإنفرادية وتعزيز الأنا المعمارية المستقلة التي نشتهيها سرا حالمين بأنه قد توصلنا يوما في مصاف النجوم الدولية في سماء العمارة وتصبح اسماؤها لها رنينها ويمر الزمن دون أن يكون ذلك متاحا.

وهو أمر يشترك في صنعه منهجية التعليم والتدريب والتأهيل المعماري في المدارس المعمارية الليبية التي كثيرا ما تحرص (دون دراية) على تنمية الأنا المعمارية لدى الطالب في مقعد الدراسة على حساب توافق الفكر في العمل الجماعي بحجة تحفيز الحس التنافسي في العملية الإبتكارية، والتي من ثم تصبح سمة لصيقة بالشخصية للطالب حتى تخرجه. ومن ثم تسهم بشكل مؤثر في الاستعراض البطولي الانفرادي.

اليوم يجب أن نتيقن أن ما يصنع النجوم في عالم العمارة هو وجود السماء لذلك. فلم يكن متاحا لنجوم أوروبا أن تسطع إن لم تتوفر لها سماء مهنية وضعت عمدها عبر التاريخ مؤسسات ومدارس وأفراد.

فهل نملك نحن سماء لذلك؟

إطلاقا لم تكن لنا سماء ولن تكون طالما لم نشترك جميعا في صنعها، يجب أن ندرك أن التعليم المعماري خطوة يجب أن تتكامل وطبيعة وحاجة السوق وهذا الإدراك يجب أن يندرج ضمن واجبات المؤسسات والأفراد على حد سواء. نعم لقد تمردت هذه الكوكبة الخلاقة عن أنانية كل فرد منها وأدركت بحسها الفطري حاجة العمل لروح جماعية مشتركة فتحقق التناغم في العمل وأنجزت في زمن قياسي ما يستحيل ترجمته بيد الإنفراد والإستقلال والإستعراض البطولي.

ليبيا باقية والخير فيها باق، وعلى الدولة “الحلم القادم” أن تكون جاهزة كجاهزية هؤلاء الشباب في كل ربوع ليبيا، وأن تؤمن مؤسساتها بأن رصيدها الحقيقي في هذه الطاقات الخلاقة وبأنه لن تكون هناك حاجة للجؤ للسماء الأجنبية فهي لم تخلق لنا يوما

.

متاهة بيت فينتون

“لا يحق لأطفالكم أن يلعبون بحديقة بيتي، فهي مكان حافظ على هيئته ثلاث قرون من الزمن دون تغيير، لقد تم الحفاظ عليها جيلا بعد جيل .. إنها مكان يموج بالمرج الأخضر، وجداول الخضروات وبستان تفترشه ثلاثون صنفا من أشجار التفاح !”

الحديقة٣ من يملك أن يمنع طفل من أن يرتاد حديقة بيت يسكنه ؟ إذن سيخرج الأطفال خلسة عن أعين الوالدين وسيلهون كثيرا في الحديقة يلعبون والفراشات ، يراقبون الطيور والزهور ويرقبون ظلال خيالاتهم الصغيرة التي ترسمها الشمس الدافئة على سطوح المكان .. نعم لن يعبأ الأطفال بأي قيد يمنعهم من لمس النباتات والبحث عن الحشرات.

 الحديقة٢الحديقة

قد تأتي سيدة البيت في غفلة من مرح الأطفال، فتشتاط غيظا لتبدأ في صراخ لا ينتهي وهي تلاحق الأطفال الذين أرعبت قلوبهم الصغيرة قدومها الغير منتظر. فأسرع كل منهم في درب من مسارات الحديقة وهي تحاول اللحاق بالجميع الذين انتشروا في دروب كأنها متاهة !

 

المتاهة .. دروبها مسارات الحديقة تمتد حتى باب مدخل البيت فتمتد داخل البيت في فضاءات ممراته وحجراته حتى يركن الأطفال في أحضان الوالدين الآمن هناك في قلب البيت حيث المدفأة وحجرة الجلوس.

البيت البيت٢ 

نعم سيتم صنع هذه المتاهة لتكون هدية تذكارية لكل من يزور بيت فينتون ذلك البيت الذي شيد في القرن السابع عشر كسكن لتاجر بمنطقة هامستيد في شمال لندن، والذي أورثته الليدي بيننغ لصندوق التراث الوطني البريطاني في العام ١٩٥٢، وهي من كان آخر من يملكه ويسكنه منذ إقتناؤه لها في العام ١٩٣٦. تركته الليدي بيننغ مزدانا بمجموعتها من الخزف الجميل والأثاث الجورجي والتطريز. بيت فينتون مبنى مستقل بحديقة مسورة غناء. يضم البيت اليوم مقتنيات ثمينة من فضيات ولوح فنية وأثاث.

1 2 3 4 5 

هكذا كانت قصة إبتكار فكرة تصميم المتاهة كأحد مطاليب استوديو التصميم المعماري بمدرسة السير جون كاس للفنون والعمارة والتصميم بجامعة لندن متروبوليتان هذا العام. لقد كان العمل قد بدأ بتوزيع الطلبة على عدد من المباني التاريخية في لندن ليكون المشروع لكل مبنى مجزأ إلى جملة من المطاليب تبدأ من رفع مساحي دقيق ودراسة تاريخية عميقة للمبنى ووضع رسومات قياسية ومجسم، ومن ثم كان على كل طالب التفكير في تذكار يتم إهداؤه للمبنى تحت إدارة صندوق التراث الوطني البريطاني كدعم لتمويل رعاية المبنى، يلي ذلك تصميم معماري لوضع رؤية جديدة (متجددة) للبيت والحديقة..

فكرة التصميم المتاهة والتنفيذ : فدوى مصطفى المزوغي

لقاء متجدد مع معماري ليبي طموح

يوم مشمس ليس كعادة أيام الخريف في لندن الضبابية، كان في لقاء متجدد مع منذر حراقة، المعماري الليبي الشاب الطموح، وكعادثه بخلق دمث يسألني عن إمكانية اللقاء، ولم يدرى مقدار سعادتي بذلك. إلتقينا في ساعة صباحية زادها إشراقا رؤية منذر، فبادرته بالقول بعد الترحاب والتحية، بأن لقاء اليوم قد يطول وقد يكون إرتجاليا في محطاته وحتما تبادل وجهات النظر حول الوطن والقضايا المعمارية وطموحات المعماري الشاب الليبي جميعها ستكون رفيق دروبنا للوقوف على بعض المشاهد المعمارية في لندن.

Sky Garden

Sky Garden (Walkie Talkie)

SG2

Rafael Vinoly and the Walkie Talkie tower in London

بدأ اللقاء بزيارة ما تعارف على تسميته بحديقة السماء في برج ذاع صيته بإسم (واكي توكي)، وبفوزه بلقب أسواء مبنى بنى في لندن هذا العام وهو الذي سمى بعنوانه رقم عشرون شارع فينتشيرش، وهو من تصميم المعماري رفاييل فينولي. صاحب الإطلاع على مشاهد العمران المحيط بالبرج ، أخبار الوطن والأصحاب، لم يخلوا الحديث من روح آسفة على ما آل إليه الحال إلا أن الثقة والإيمان بالغد الأفضل سرعان ما تبدد سحب رمادية تعلو أفكارنا. بعين فاحصة يجول ناظر منذر في محيط المكان يبحث وأخبرني عن عودته إلى رسومات سريعة بدأها لتوثيق محطات معمارية كان قد زارها في تونس فرحا بإكتشاف نتائجها بكل عفوية وصدق.

Tower Place

Tower Place

TP TP1

قاربت الجلسة على الإنتهاء بعد أن أحتسينا قهوتنا، فأقترحت عليه الإرتجال إلى مبنى من تصميم فوستر، فبارك الرأي وعند خروجنا من البرج أستوقفنا جدار نباتي عملاق، فأخبرني عن تجربته في تصميم مبنى في ليبيا وكيف أنه يجد في هذا الجدار الحل الأمثل لتخفيف من التكدس الحراري، وفاجئني بالكم المعرفي التفصيلي عن طبيعة هذا الجدار حين أقترب منه شارحا لي تفاصيله بثقة مختتما بإلمامه بطبيعة النباتات الملائمة للجدار.

لم نكن في رحلتنا نعير الناس أية إهتمام فلقد كان إنشغالنا بالمحيط العمراني والحديث عنه، فقط كان ما يفصل حديثنا فقرات الإشارة عن الوطن والأصدقاء، لا سيما جيل منذر من المعماريين والمعماريات. عند وصولنا إلى مبنى (مكان البرج) كنت أرقب ردة فعل منذر، فوقف وتنقل في المكان بذات العين الباحثة، وشيئا فشيئا يعلو التساؤل تعابير وجهه، لماذا كل هذا؟ سؤال وجيه حاول في إجتهاد البحث عن نوايا فوستر، فأقتربنا من حواف المركب فطالعنا عن بعد برج رينزو بيانو المعروف بإسم Shard، فسرعان ما باغتني بإنزعاجه من المبنى، فتسألت عن السبب فلم يفصح بل أخبرني بموقف كان قد حدث له مع الأستاذ احمد أمبيص في بداية سنوات الدراسة بالقسم، حين كانت أحدى محاولات منذر في مقرر أسس التصميم صنع تكوين مؤسس على المثلث، فوقف عليه الأستاذ أحمد وأمسك بمثلث وقام بتوجيه المثلث إلى منذر قائلا: “عليك إختبار الشعور بالعدائية التي يحملها المثلث”. فأدركت انا إجابته الغير مباشرة بأن المثلث في البرج عدائي!

The Shard

The Shard

عدنا أدراجنا إلى مكان كان لنا لقاء به العام الماضي، وكنت حريصا على أن يشاهده في تصميم جديد وهوجناح سيربنتاين المؤقت  حيث كان تصميم هذا العام بتوقيع المكتب الأسباني سيقاسكانو ، وحرصت على توفير الحرية الكاملة لتنقله منفردا، فأخترت طاولة بالمقهى للإستراحة تاركا له فرصة إختبار التصميم ومحاولة تفسيره، بعد فترة زمنية كان قد حضر مبتسما يخبرني قائلا: أن التصميم يذكره بطفولته حين كان وإخوته يلعبون داخل أنابيب الرى في المزرعة وبين الحين والأخر يخرجون رؤوسهم كالأرانب. فأخبرته أن حدسه قوي وعجيب فهو مقارب لروح الفكرة التي استلهم منها المصمم فكرة الجناح المؤقت، وهي محاكاة الحركة العشوائية للمشاة في محطات قطار الأنفاق في لندن. وبات يقارن بين تصميم العام الماضي وهذا العام، ما يشدني في حديث منذر الصدق في التعبير، والإجتهاد في إختيار المفردات المناسبة.

Munder Haraga at Serpentine Pavilion 2015

Munder Haraga at Serpentine Pavilion 2015

photo 5

هذه المرة لم يكن للمطر المباغت فعلته كما حدث في لقاء العام الماضي، بل حرص منذر أن يكون ختام لقاء اليوم الذهاب إلى مطعم يعرفه جيدا مشجعا على تجربته، وكانت وجبة طيبة ضحكنا فيها كثيرا ..  شكرا جزيلا على الرفقة الطيبة منذر..

العمارة إنشاء متسامي

 –

ملخص ..

إن المخاطرة في تشكيل تكوين معماري ينشد فقط أهدافا تعبيرية، سوف لن تنتج سوى مبنى لا جدوى من وجوده أساسا. إن المعماريين في مسار عمليات التصميم، عادة لا ينطلقون من نقطة البحث عن هدف تعبيري بل واقع الحال ينتهون عنده، بمعنى أن السمة التعبيرية في العمارة كثيرا ما تتبلور في ختام المسار لا من بدايته. العمارة هي الماؤى، فإذا ما تم إسقاط الوظيفة والحاجة من وجودها خلال التصميم، سيكون الناتج النهائي حتما غير مفهوما

إن الإتجاه نحو (العمارة التعبيرية) شأن يحكم نوايا التصميم لدى المعماري إلى الحد الذي يتلاشى معه (الغرض) من كونه المولد الأول للعمارة، فتاريخ العمارة يوضح هذا الإتجاه لدى المعماري عبر الزمن، إلا أن الناتج كثيرا ما يتم التحكم فيه بتوافق وتكامل الوظيفية والتعبيرية كمولد للعمل المعماري.

كان للعمارة، عبر تاريخها الطويل، محطات ساهمت في صياغة تكويناتها المعمارية التوظيف الخلاق للإنشاء، فالشكل والإنشاء عناصر متلاحمة في صياغة العمارة ككيان مقرؤ. إن مادة البناء محدد مؤثر في النظام الإنشائي، وتقنية التنفيذ، كما أنها عامل فاعل في تشكيل الفراغ المعماري ورسم تعبيره.

لقد شهد مسار عمليات التصميم المعماري شيئا من الإنفصال بين العمارة والإنشاء إبان بزوغ الثورة الصناعية وتوظيف مواد بناء حديثة كالحديد والصلب، الأمر الذي نأي بالشكل بعيدا عن العمارة حيث أنها أصبحت رهينة الإنشاء، إلا أنه تدريجيا بات التقارب مجددا، إلى أن نادت التفكيكية برفضها للإنشاء والوظيفة كمحددات في مراحل تبلور الشكل الإبتدائية لتتجدد حالة الإنفصام حتى أن العمارة أضحت حالة تكوين مجردة.

هذه الورقة تسعى لمناقشة كيف يكون التكوين و الإنشاء أدوات تعبيرية للعمارة، فكلاهما ثوابت وعناصر مرئية من عناصر الصيغ المعمارية، ودور كل منهما له حضوره المؤثر في مسار صياغته. إن التعبير في العمارة يتطلب حضور الشكل، والشكل يتطلب حضور لإنشاء، الأمر الذي يكون معه الجدل بأن الناتج المعماري هو خلاصة المدخل الإنشائي التشكيلي، فالأمر يتطلب توظيف مواد البناء ونظم الإنشاء وتقنية التنفيذ.

اليوم تشهد العمارة حالة تلاحم بين الشكل والإنشاء مجددا تحديدا فيما عرف باتجاه التقنية العالية كتيار معماري معاصر، ينتسب إلى فترة يحكمها الحضور التقني. إن إستعراض هذه المحطات ترسم خلاصة موضوعية بأن الشكل والعمارة كانتا دائما وراء تكون العمارة، يعملان على صياغتها معا أو بشكل منفرد، وحتما لن يكون الجزم بأن إلتحامهما سيكون أبديا.

 

الإنشاء .. مدخل فكري للعمارة

الشكل والإنشاء عناصر ملموسة في العمارة، فالباعث الأساسي للعمل المعماري هو الحاجات المادية والمعنوية لكن ما يترجمها إلى واقع مرئي ملموس هو الشكل والإنشاء. كلاهما أدوات التصميم للمعماري للتعبير و إستكشاف عن تكوين قابل للتنفيذ. إن المرحلة الإبتدائية في مسار عمليات التصميم المعماري تعتمد كليا على مدخل التصميم الذي تبناه المصمم،ومع تعدد هذه المداخل إلا أنكثيرا ما يكون التباين بين مدخل البحث عن الشكل أو مدخل الحل الإنشائي، وكلاهما موضوعي وعقلاني وكثيرا ما يلتقيان في توافق.

إن الإنطباع المعماري تحفزه هيئة العمل المعماري الظاهرية، يليه التساؤل عن نظامه الإنشائي. إن العمارة دائمة البحث لأن تكون حالة تسامي إنشائية بدلا من أن تركن في تصنيف مبنى عاديا. لذا باتت العمارة رسالة مقروءة عندما تتمكن من تحفيز إنطباع ما، وتفصح عن المدلول الكامن في تكوينها. العمارة إذن تعكس ثقافة المكان.

ان الحوار البصري في العمارة يعتمد على أبجدية مفرداتها الشكل والإنشاء، على الرغم من أن الإنشاء كمفرد كان مثار جدل منذ منتصف القرن التاسع عشر، حيث كان السؤال ما إذا كان الإنشاء يجب أن يكون ظاهرا أو مخفيا في هيئة العمل المعماري. يجد البعض في إبراز الإنشاء في العمارة مؤشرا للنزاهة والوضوح، إلى الحد الذي أثار سؤال اخلاقيات العمل المعماري وقياس ذلك بتعمد إخفاء الإنشاء ودفنه في ثنايا العمارة. مع منتصف القرن العشرين، تلاشى هذا الجدل حيث أن التقنية أصبح لها حضورا مسيطرا على المشهد المعماري.

إن الإتزان في الأحمال وحده الذي يحقق إستقرار المنشأ المعماري، لذا تكون المعادلة الإنشائية لأي تكوين معماري هي المفتاح لحقيقته المادية. إن التطور التقني في المنظومات الإنشائية، ومواد البناء، وطرق التنفيذ، كان له التأثير الملموس على الشكل المعماري. الشكل في العمارة كما تم تصنيفه يخضع إلى ثلاثة مجموعات (الشكل 1): أفقية، و رأسية، وتكوين حر، الجدير بالإشارة هنا إن المجموعات الثلاث لتصنيف الشكل المعماري هي وليدة الإنشاء أساسا.

Figure 1: examples of Horizontality in Piazza San Pietro by Gian Lorenzo Bernini, Verticality in Burj Khalifa, Dubai, by S. O. M. and freeform of The Niterói Contemporary Art Museum, by Oscar Niemeyer. © Authors

Figure 1: examples of Horizontality in Piazza San Pietro by Gian Lorenzo Bernini, Verticality in Burj Khalifa, Dubai, by S. O. M. and freeform of The Niterói Contemporary Art Museum, by Oscar Niemeyer. © Authors

إن المجموعة الأفقية في التصنيف المعماري، يمكن إختبارها في المباني ذات الحوائط المستمرة أو الاعمدة المتكررة أفقيا، كما هو الحال في سور مجموعة سقارة التي تحيط بهرم زوسر المدرج أو مقبرة سان كاتالدو للمعماري آلدو روسي حيث تكرار الأعمدة الأفقي. هذه الأمثلة والعديد منها يعكس النوايا في أفقية العمل المعماري. الإتجاه الرأسي في التكوين المعماري له إمتداده من الحجارة الرأسية في عصور ما قبل التاريخ، مرورا بالمسلة المصرية القديمة، وأعمدة النصر الرومانية، جميعها تحمل في طياتها نوايا الإتجاه الرأسي حتى أنه في عمارة اليوم، أصبح الحال تنافسيا بين إرتفاع المباني. ويظل الإستقرار الإنشائي هو جوهر التحدي في جميع هذه الأمثلة الرأسية.

إن التكوين الحر في العمل المعماري بات شائعا في تطبيقاته لدى الوسط المعماري المعاصر، وهو مدخل لا يملك أية ضوابط محددة، إلا أنه يمكن الإشارة إلى مصادر إيحائية، ومسارات تبلور هذه التكوينات كما يناقشها Larsen بتجميعها ضمن خمسة مسارات: الطبيعة، الحدس، الإلهام المتوارث، المعرفة، والمجسمات.   [1]

فالطبيعة، تشكل مصدرا حيويا للإلهام، دأب على إستخدامه المعماريون عبر الزمن. إن التكوينات الطبيعية تشتمل على روابط جمالية ميكانيكية، بحيث لا يمكن تجاوزها عند إستحضارها كمصدر للإلهام. كما أن الحدس يتولد أساسا من تراكم كم معرفي لدى المصمم، لذا يتكون الشكل المعماري من خلال الرسم السريع كوسيط للإستكشاف الفكري كمفتاح لتبلور تكوين معماري يحوي هيكله الإنشائي. الإلهام المتوارث، مصدره أساسا الرصيد المعماري القائم مثل الهرم المصري القديم. ضمن هذا المسار يستند المعماري إلى الأمثلة المعمارية الإنسانية الموروثة كمصدر للإلهام، تما كما نجده ملموسا في هرم مينغ الزجاجي بمتحف اللوفر (الشكل 2) الذي يصرح بأنه وليد الهيئة الهرمية الموروثة.

Figure 2: I M Pei’s Louvre pyramid. © Authors

Figure 2: I M Pei’s Louvre pyramid. © Authors

 

المعرفة كمصدر للإلهام المعماري تحقق أرضية تواصل حيوية بين المعماريين والمهندسين الإنشائيين. إن المعرفة العلمية بعلاقة الإنشاء والعمارة، وفهم مبادئ نظريات الإنشاء يمهد الدرب على تحقيق مساحة تواصل موضوعي فعال في مراحل تطوير التكوين الإبتدائية. يأتي مسار الإلهام الأخير كما يقترحه لارسين وهو المجسمات، إن توظيف المجسمات في مراحل دراسة التكوينات الإبتدائية يتيح حالة إدراك موضوعية للفرص والقيود التي تواجه التكوين المعماري المقترح. في مسار البحث عن تكوينات معمارية تكون المجسمات وسيلة عملية لإختبار واستيعاب آلية العمل الميكانيكية المختلفة. المجسمات سيلة شاع استعمالها من قبل المعماريين في البحث عن تكوينات، كأنتوني جاودي، وفراي أوتو في جملة أعمالهم المعروفة على التوالي؛ كنيسة ساجرادا فاميليا،(الشكل 3)، وتغطية الملعب الأولمبي في ميونخ.

Figure 3:The Basílica de la Sagrada Família, designed by Catalan architect Antoni Gaudi (1852–1926). Courtesy; Abdorahim Nwiji

Figure 3:The Basílica de la Sagrada Família, designed by Catalan architect Antoni Gaudi (1852–1926). Courtesy; Abdorahim Nwiji

 

الإنشاء الكامن في الشكل المعماري

يحدثنا هارتونيان بقوله: ”إن الهيكل الذي ظل مختفيا في المنتج، قد أصبح الأن غاية في حد ذاته، منذ أن أصبحت العلوم البحتة لا تبحث في ظاهر الشكل، بل في قدرة الأشكال على كشف الهيكل الإنشائي الكامن وراء كل مظهر”.[1] شكلت عدد كبير من المباني عبر تاريخ العمران دليلا دامغا على أن الإنشاء الكامن كان وراء الشكل النهائي لها. هذه الأمثلة أيضا توضح التأثير التقني على مسار تكون الشكل في العمارة عبر الزمن. فالشكل في العمارة والإنشاء في واقع الأمر متلاحمان في الحضور والتأثير على التكوين المعماري ومسار تبلوره. يقترح مارك لاغوار على غلاف كتابه ( مقالات عن العمارة) العمل التشكيلي للفنان تشارلز أيسن “الكوخ البدائي”،(الشكل 4) الذي يرسم بوضوح مواد البناء والعناصر الإنشائيةوتقنيات التنفيذ، جميعها تشكل جوهر الشكل المعماري للكوخ.[2]

امتدت الحجارة والطين كمواد بناء لعصور طويلة، إلا أن صيغ التعبير المعماري لها كان قد اختلف من مكان إلى أخر، ومرد ذلك هو النظام الإنشائي وتقنيات التنفيذ لكل حضارة. فالعمارة المصرية القديمة على سبيل المثال كان قد تم تشييد معابدها بالحجارة، التي تميزت بمقياسها التذكاري الضخم، فرضت استعمال العمود الضخم، فالعمود المصري القديم كان قد تجاوز دوره الإنشائي ليشغل دورا جماليا ويصبح عنصر معماري ذا مدلول. بوابة الأسد في ميسيناي، مثال أخر يحتفي بالعمود حين تم حفر مشهد أسدين متقابلين يفصل بينهما جسم لعمود، على مثلث تخفيف الأحمال عن العتب الحجري الضخم ذا بحر ثلاثة أمتار.

النظم المعمارية عند الأغريق والرومان تستند إلى نصف قطر قاعدة العمود وهي تشكل وحدة قياسية تنظم كافة النسب والتناسب التي تحدد شكل المعبد. إلا أن ما تجب الإشارة إليه هو التقنية التي تميز بها الإغريق في بناء معابدهم والتي عرفت بتقنية النجارة بالرخام، وهذه التقنية لم تتطلب أية مواد رابطة بين العناصر الإنشائية. كما أن الرومان قد عرفوا بابتكارهم لخرسانة البوزولين، الأمر الذي دفع بتوسع وتطور ملحوظ في البحور الكبيرة. فالبانثيون (الشكل 5)، مثال معروف ببحر فراغ امتد إلى قرابة أربعة وثلاثون مترا، وبدا جليا كيف أن التكوين المعماري به قد تحكم به النظام الإنشائي وتقنيات التنفيذ.

Figure 4: The primitive hut, by Charles Eisen

Figure 4: The primitive hut, by Charles Eisen

Figure 5: Dome the Parthenon. © Authors

Figure 5: Dome the Parthenon. © Authors

 

تاريخيا يبدو الإنشاء كمولد للتكوين المعماري، فالعمارة الغوطية قد تم إختزال تكوينها إلى شبكة من الخطوط، منظومة إنشائية شفافة ترتكز على فكرة نقل الأحمال إلى مراز محددةومن ثم يتم توزيعها إلى نقاط ضغط متوازنة. إن المنظومة الإنشائية في العمارة الغوطية، قد جعلت من الطراز الغوطي يتوسع في أوروبا ويسود كطراز لقرون.

من المهم هنا أن يتم تسليط الضوء على حقيقة أن الإنشاء في العمارة بمثابة سلاح ذو حدين، فهو من جانب يحقق فرص التعبير المعماري الخلاق، ومن جهة أخرى قد يشكل عائقا لذلك. الإنشاء يكون ثقلا على التعبير المعماري حين يصبح النظام الإنشائي أنموذجا متكررا في إستخدامه لترجمة العمارة ولزمن طويل، يتولد تبعا لذلك تعبير معماري متكرر تحكمه ضوابط تحول دون تحرر العمارة وتطلعها لتعبير متجدد.

رأب الصدع بين المعماري والإنشائي

إن استيعاب الهيكل الإنشائي مصدر إلهام للمصممين لإبتكار حلولا خلاقة للشكل المعماري، لذا فإن البحث الجاد عن مصادر إيحاء للحلول الإنشائية، سيعمل على تحقيق التقارب الفكري بين المعماريين والإنشائيون. العلاقة المركبة بين التصميم المعماري والتصميم الإنشائي، يمكن تجزئتها إلى شقين أولهما مرحلة التصميم الإبتدائي، وثانيهما مرحلة تطوير التصميم. في المراحل الإبتدائية للتصميم والمتعلقة بالبحث عن تكوين للشكل المعماري، يجب أن يتبلور معه المنظومة الإنشائية الملائمة، ويجب أن يتوافق القرار التصميمي المعماري والإنشائي بما يخدم التكوين المنشود. بينما في مراحل تطوير التصميم التالية،يتم القيام بالحسابات الإنشائية بما يخدم كل عناصر النظام الإنشائي المقترح، المواد والتقنية. في الخصوص، يعرف ماكدونلاند مراحل إتخاذ القرار للتصميم الإنشائي الخاص بالشكل المعماري إلى أربع مجموعات واضحة ومنفصلة ضمن مسار عمليات التصميم. في المجموعة الأولى يشير إلى القرارات التي تتعلق وتنشاء بين التصميم المعماري والتصميم الإنشائي، والمجموعة الثانية من القرارات التي تتعلق بإختيار النموذج الملائم من المنظومات الإنشائية للمبنى المقترح، من ثم تكون المجموعة الثالة من القرارات بشأن إختيار مادة الإنشاء وصولا للمجموعة الرابعة والأخيرة من القرارات حول التفاصيل الإنشائية.[1]

بدا الصدع يحتل التوافق في القرار المعماري الإنشائي على المستويين الفكري والتطبيقي خلال الثورة الصناعية. فلقد حدث تغيير مهم في مواد البناء، والمنظومات الإنشائية وتقنيات التنفيذ، الذي ارتبط بأحداث الثورة الصناعية. العمارة تبعا لهذا التغير، كان عليها مواجهة حقائق جديدة، مواد بناء وتقنيات أفرزت جماليات وصيغ تعبير جديدة. كان الشكل العام للتكوينات المعمارية قد أخذ ينحى مسارا مختلفا رسمته المنظومات الإنشائية الجديدة ومداخل التصميم لها. جيديون يشير إلى أن حضور المعارض في القرن التاسع عشر كان وثيق الصلة بنقلة شمولية من الصناعات اليدوية إلى الإنتاج الصناعي، فالمعرض الصناعي الذي أقيم بباريس في أواخر القرن الثامن عشر،كان أول معرض صناعي أستخدم في تشييده الحديد، وحفز الفكر التصميمي بنظام إنشائي يتيح تركيب وفك مكوناته.[2] إن القصر البللوري هو مثال واضح ساهم في تقديم جماليات جديدة استندت على غلاف زجاجي شفاف لهيكل معدني سمح بنفاذ ضوء خلاب. جيديون مجددا يصف كلا من القصر البللوري وقاعة الآلات كنتاج للثورة الصناعية واللذان مهدا الدرب لإدراك الفرص المتاحة في مواد البناء الجديدة كالحديد والصلب . إن التطور في تصنيع واستعمال مواد البناء الجديدة ساهم في التوسع في تقنيات التنفيذ ووضع بذلك الهندسة في موقع التحكم بدلا من العمارة.

 

تخلفت العمارة عن مواكبة الجديد في تطور التقنية والفنون، وبات الحال وكأنه إنفصال العمارة عن التقنية في تعبير لجيديون. إلا أن المعماريون سرعان ما عملوا على رأب الصدع، باعتمادهم للمواد والتقنيات وحتى الجماليات الجديدة. فلقد تبلورت عدد من الأفكار الإنشائية الخلاقة باستعمال الخرسانة والحديد كما حدث في مبنى شركة واكس لفرانك لويد رايت والقبة (الجيوديسية) لفوللر، الإتجاه الذي كان وراء ظهور “عمارة التقنية العالية”. برز عدد من المعماريين المعاصرين إبان موجة التفكيكية بالمناداة في تصريح شامل بوجوب تحرير مرحلة تكون الشكل من كافة القيود كالوظيفة والإنشاء وغيره، إن هذه المناداة قد تعتبر شرخ جديد في مسار التوافق المعماري الإنشائي. ماكدونلاند يشير في هذا الإطار إلى المعماريين في أوروبا يأخذون في الإعتبار فرص إسقاط الإعتبارات الإنشائية من حساباتهم عند مرحلة تكوين الشكل، زعما منهم بأن ذلك يعيق مسار التصميم الإبتكاري بالمقابل تبدوا العمارة اليوم تحمل عناوين مغايرة مثل عمارة التقنية العالية (الشكل 6)

Figure 6: 30 St. Mary Axe: (The Gherkin), by N. Foster High tech architecture

Figure 6: 30 St. Mary Axe: (The Gherkin), by N. Foster
High tech architecture

 Lloyd Building By R. Rogers.

Lloyd Building By R. Rogers.

 

خلاصة القول ..

 

العمارة يمكن لها أن تكون إنشاء متسامي، في حال إدراك كلا من المعماريين والإنشائيين بأن الخواص التقنية في عمليات التصميم يجب أن لا تأخذ أولوية كما أنها يجب أن لا تسقط كليا من الحسابات. الإنشاء موضوع علاقته بالتكوين المعماري يندرج بأن لا يجب توظيفه في التعبير عن الدلالات كما يجب أن لا يتم تجاهله. الإنشاء يحمل في طياته دور عملي وموضوعي، كما أن حضوره في التكوين يظل دائما مرهونا بمقياس المشكلة الإنشائية ذاتها فيكون بارزا إن كانت المشكلة تنحصر في تسقيف بحور واسعة مثلا(الشكلين 7،8)، ويكون ذا حضور متواضع في حال مقياس المشكلة اعتيادي. على المعماري والمهندس الإنشائي الحرص في إدراك العلاقة الرابطة والمشتركة بين القضايا التقنية والجمالية في التكوين وخطوط تقاطعها. إن العمارة المطلوبة يتسنى تحقيقها حين يدرك الجميع العلاقة الوطيدة والحقيقية بين الإنشاء والعمارة.

Figure 7: Westfield Shopping Centre, London, by Jason Forbes. © Authors

Figure 7: Westfield Shopping Centre, London, by Jason Forbes. © Authors

Figure 8: Great Court at the British Museum, by Foster and Partners. © Authors

Figure 8: Great Court at the British Museum, by Foster and Partners. © Authors

[1]– Angus J. Macdonald, Structural Design for Architecture, Architectural Press, Oxford, 1997, p. 23-24

[2] – S. Giedion, Space, Time and Architecture, 1967. P.243

[1] – Hartoonian, Gevork., Ontology of Construction – on Nihilism of Technology in Theories
of Modern Architecture. Cambridge university
press, Cambridge, 1994, p. 367

[2] – The frontispiece of Mark-Antoine Laugier: Essai sur L’architecture 2nd ed. 1755 by Charles Eisen (1720-1778).

[1] – Larsen, O.P. and Tyas, A., Conceptual Structural Design: Bridging the Gap Between Architects and Engineers. T. Telford, London. 2003.

المعماري الليبي في مواجهة لوثة الحرب

11811482_846404678748361_5233809989944124328_n

يصنعون أنفسهم منفردين يحتفلون وذويهم والأصدقاء بيوم تخرجهم حتى أنهم يصنعون تقاليدهم وحدهم .. ( صورة جماعية لدفعة خريجي العمارة ربيع 2015)

المراقب للنشاط المعماري الليبي اليوم، يجد حماسة شبابية مجتهدة، تملك طاقة استثنائية، و روح شبابية من المعماريين والمعماريات، لا يعبئون بالدمار، بل نصب أعينهم إعادة الإعمار.

لا ينتظرون أحد، يصنعون أنفسهم منفردين يحتفلون وذويهم والأصدقاء بيوم تخرجهم حتى أنهم يصنعون تقاليدهم وحدهم فالقائمون على مؤسسة التعليم العالي لا يعنيهم معنى أن يتخرج الذين من أجلهم كانت المؤسسة !

يشقون دربهم الوعر في مهنتهم بصبر مستميتون في وجه لوثة الصراع الليبي.

نجدهم اليوم في تنافس وبحث  دؤوب عن مكنون العمران في كل مكان، دون لقاء أو حتى موعد للحوار، يشاطرون الجميع بما يجدون، بل منهم حرص على خوض غمار تجربة كل مسار بشجاعة ودون وجل.

جديرون هم، بدون استثناء، باللقاء والحوار معهم … لنسمع منهم أخبارهم ورؤاهم وتجاربهم، فقد يكون في اللقاء مساحة تبلور القناعات فالتيارات الفكرية المعمارية، فالحرفية المهنية.

H2

اليوم كانت البداية مع :

معمارية من ليبيا .. تدعى هدى الفيتوري،

تنتقي مفرداتها ومقتنياتها بدقة ورهافة حس، كل ذلك قد يقابله المرء في عديد المعماريين والمعماريات ولكن أن تجيبني على نحو:

انا: هل كنت متفوقة بمقاعد الدراسة؟

هدى: كنت عادية مثل الكثيرات .. قد يكون سوق العمل صقلت القليل.

انا: لماذا إذن أجد في إختياراتك أناقة وعين دقيقة؟

هدى:احيانا لا نجيد الأشياء الا بعد التجربة وخوض معتركها … ربما!

انا: كيف تعملين اليوم ؟

هدى: في البيت وأحضر برامج تدريب .. الأمور لم تعد كما كانت، لربما القادم أفضل.

انا: هل قمت بالتسجيل في الهيئة الليبية للعمارة؟

هدى: لم تساعدني ظروفي بعد ..ولكني حتما سأنضم اليها.

انا: هل بالإمكان إرسال نموذج لأحد أعمالك؟

هدى: إن شاء الله تعالى.

H8 H6 H3

بعد قرابة ثلالثة أشهر وصلني أحد أعمال المعمارية هدى الفيتوري، وهو لدارة سكنية، بمنطقة  المدينة السياحية ،تقع غرب مدينة اطرابلس، قامت هدى بتصميم الدارة للأب بالدور الأرضي ووحدتين سكنيتين للأبناء بالدور الأول، وفي إختصار وصفت التصميم : ” حاولت الربط بين الطابقين من خلال الفناء، وبدرج جانبي يصل الشرفة العلوية بالفناء الأرضي، وسيلة لسهولة التواصل بين الجد والأحفاد …. لقد حرصت أيضا على الفصل الفراغي لدواعي الخصوصية”.

واستطردت في الكتابة: ” هي محاولات مني وإجتهادات لا أكثر ولا زلت أتعلم، زبائني اليوم معارف وجيران، فلقد تم قصف المكتب الذي كنت أتعاون معه في حرب العام الماضي، الحمد لله على كل حال .. العمل المعماري خاصتي اليوم يؤتي أكله، ويكفيني أنني لا أخضع فيه لشروط السوق بل لقناعاتي، وهذا التصميم عمل متواضع أحاول أن أعكس فيه بعض من الأفكار التي اؤمن بها”.

مضت أيام وأنا اتمعن في بعض من مشاهد العمل المعماري لهدى، متسائلا في كيفية  الرد والتعليق على تصاميم الدارة؟ هل سيكون لها وحدها أم أن نشترك جميعا في قراءته؟ … فلقد سألتني الرأي و “النقد” فاعتذرت عن الأخير، ولكني وعدت بأن أكتب إنطباع متواضع يوما.

خيل إلي أنه سيتعذر الكتابة عن الصنع دون الحديث عن صانعه، هدى معمارية ليبية حازت درجة البكالوريوس في هندسة العمارة والتخطيط العمراني عام 2004، لم تدعي المعرفة يوما بل حرصت على تشربها، وحدها القدرة على إنتقاء المنبع كانت موهبتها. تبحث بعناية وبعين ثاقبة عن ما يجد في نفسها قبولا… هدى لم تكسرها لوثة الحرب المجنونة في بلادنا، بل ولم تعيرها بالا فلقد تعلمت أن تصنع عالمها لتسكنه، فهو رحب كالمدينة، فهي لا ترى في مدينتها سوى ضحكات الأطفال، وأحاديث أحبتها، وتغريد طيورها. هدى ترحل بناظرها ككل معماري، إلى صورة وطن يسكنها لا كما يصفه ويراه الآخرون.

H4 H1

لم تنفصل المعمارية عن الإنسانة يوما، هدى تتأمل سطوح مدينتها وعمارة عمرانها، ترقب باجتهاد ما يحاكيها من صنع المعماريين في الدنيا. تشدها نقاء السطوح وبساطتها، تدرك كيف للسطوح أن تحتوى فضاءات تمتد وتسترسل وتقف أيضا. تحاور الضوء وظلاله على المكان وتختبر كيف تبدو أشياؤها، التي تودعها فراغه، عندما يقترب منها خيط الضوء أو عندما يسدل الظل عليها ستاره.

ليست خاتمة الحديث بتصفح المشاهد بل الدعوة الصادقة للتأمل والتدبر في كيف يكون للتيارات الفكرية المعمارية في ليبيا اليوم مكان؟

شكرا هدى !

Revamping Architectural Education and Practice in Libya إعادة بناء التعليم المعماري وممارسة العمل المعماري في ليبيا

الملخص

تأسس التعليم المعماري في ليبيا مع نهاية ستينيات القرن العشرين، وكان ضمن برنامج السنة الأكاديمية وإستثناء الطلبة المقبولين من السنة الإعدادية العامة، والذي دام عليه الحال لأكثر من عشرون سنة حتى بداية الثمانينات حين تم إعتماد برنامج الفصل الدراسي عوضا عن السنة الأكاديمية الأمر الذي دفع بالمنهج الدراسي إلى حالة مستمرة من تذبذب وعدم الاستقرار في محتوياته وحصته الزمنية حتى يومنا هذا!

إنه وبتقصى حال خريجي التعليم المعماري الليبي منذ تأسيسه، يتبين عدم قدرتهم على بلورة كيان مهني ، أو تعريف ادوارهم في تحقيق صناعة بناء مســـؤولة، أو إستيعاب حقيقي لمتطلبات السوق. إن الجهات المسؤولة ومؤسسات الدولة لم تتمكن من منح ثقة كاملة لخريجي مؤسسات التعليم المعماري الوطني لغياب ضوابط البناء القياسي الوطني، والمعايير القياسية الوطنية ومحددات ضمان الجودة وأسس مراقبتها.

مع العام 2011 كان موعد الليبيون وتغيير منظومة الحكم، وكان معها محاولات شبابية من المعماريين الليبيين في تأسيس جسم مهني لهم تبلورا في كل من الهيئة الليبية للعمارة في اطرابلس والهيئة الليبية للمعماريين في بنغازي . كلا الهيئتان عملتا جاهدتين لكسب إعتراف وثقة الدولة، فضلا عن التنافس والتواصل الدولي مع المؤسسات المناظرة. إنه لزاما على المعماريين الليبيين مراقبة مستقبل بلادهم، وإثراء النقاش والمناظرات حول دورهم في خطط التعمير وإعادة البناء القادمة بإذن الله. وبلا شك إن هذا سيتطلب إعادة مراجعة الوضع المهني القائم والعمل على تأهيله بما يمكنه من المشاركة بكيفية خلاقة من خلال تواجد مؤسسات مهنية راعية ومنظمة لنشاط الوسط المعماري بل وضمان جودة وكفاءة الأداء عبر منهج تقييم دوري. إن هذا يشكل خطوة مسؤولة لا سيما للمكاتب الهندسية والمعمارية الليبية لأن تكون على درجة مهنية وحرفية تنافسية بمقياس يمكنها من الوقوف ندا للمؤسسات الهندسية والمعمارية الدولية من جهة ولكسب ثقة المسؤولين في ليبيا من جهة أخرى.

تسعى هذه الورقة لطرح تصور يستهدف مراجعة التعليم المعماري والممارسة المهنية كحلقتين تفتقدان للتواصل في ظل غياب التشريعات الكفيلة بتنظيم العملية التعليمية بما يتوافق وحاجة السوق وتكاملها والممارسة المهنية المسؤولة، كما تنشد مناقشة الخطوات اللازمة لتحقيق ذلك بمناقشة الدور المنشود للمؤسسة المهنية والكفيل برأب الصدع بين التعليم والممارسة.

البحث عن عمارة العمران!

إن البحث عن عمارة أي عمران قائم هو بمثابة الخطوة الاساسية للإلمام بواقع معماريي مكان ذلك العمران، مناخ ممارسة العمل، برنامج التدريب وبيئة التعليم المعماري خاصتهم. إلا أن الوضع في ليبيا يكاد يكون استثناء، فالحال أنها كانت دائما، ومنذ بدايات القرن العشرين، حقلا لتطبيق متنوع من الفكر المعماري الوافد من كل أنحاء العالم على مستويات الشركات والمكاتب الاستشارية وحتى الأفراد. بالمقابل لم يفسح المجال للمعماريين الليبيون سوى المحاولات المعمارية عل مقياس السكن الخاص من خلال مكاتب قزمية.

إن هذا الواقع قد يقودنا إلى جملة التساؤلات التي ستكون بمثابة محطات رئيسة في مسار هذه الورقة: لماذا يحدث أن ليبيا كحالة عمرانية دائما بوابة مشرعة للفكر المعماري الوافد ولم يحدث أن حاز الفكر المحلي فرصة مماثلة؟، ولماذا ظل هذا الحال لأكثر من قرن وحتى يومنا هذا؟ وما السبيل لتحقيق مساحة توافقية وعادلة للمعماري الليبي في ممارسة العمل بمقياس دولي؟ وهل من سبيل لرأب الصدع بين التعليم المعماري والممارسة المهنية في ليبيا؟

ليبيا .. المكان للفكر المعماري الأجنبي

إنه على درجة من الأهمية لهذه الورقة، أن يتم الشروع في البحث عن إجابات للأسئلة السالفة؛ يأتي أولها على نحو إن قدر ليبيا العمراني يبدوا وكأنه رهين بموقعها الجغرافي. فليبيا كجزء من يابسة حوض البحر الأبيض المتوسط، قد تعرضت شواطئها لكل الحضارات التي سادت الحوض، وتحديدا في التاريخ الحديث مع إطلالة الألفية الثانية في العام ١٩١١، أصبحت البلاد محط أنظار كمستعمرة كولونيالية. فكان الغزو الإيطالي لليبيا وكان معه تزامن ضغط الحداثة على أوروبا. في العام ١٩٣٢؛ ليبيا بدت وكأنها نافذة عرض للنظام الفاشي، ومعمل تجارب حقيقية لعمارة المتوسط الحداثية، وباتت ليبيا أرض تشهد صراع فكرتي الحداثة الكولونيالية الإيطالية، حيث التنافس كان قائما بين الكلاسيكية المتوسطية والعقلانية المتوسطية.تناقش في هذا الصدد فيتوريا كابريزي بقولها أن التحقق من ظاهرة الفعل ورد الفعل في العمارة كانت قد أنتقلت من أراضي إيطاليا إلى المستعمرات، وكيف أصبح ما يشيد بناؤه في المستعمرات يعود إلى إيطاليا على هيئة جدل ومناظرات.

لم يكن متاحا لأي مشاركة ليبية في هذا التعمير الكولونيالي، والسبب أنه لم يكن هناك مؤسسة تعليم معماري ولم يسجل أن كان هناك معماري ليبي كان قد تلقى تعليمه في مجال العمارة خارج البلاد. فالعمارة المحلية جلها كانت من صنيع البناؤن الذين توارثوا المهنة كحرفة فنية لها أصولها، كما أن محترفي البناء كان تدريبهم قائم على التلمذة من الصغر تحت إشراف الأكثر خبرة، وتفنن العض منهم في حرف البناء، وبلا شك كان حضور الحرفيين من الجاليات الأجنبية أضفى أساليب وتقنيات تحاكي ما هو موجود في دول الجوار. الجدير بالذكر أن متتبع الرصيد المعماري في الدول النامية وتحديدا العربية والإسلامية قلما يذكر إسم المعماري بل كثيرا ما ينسب الأثر المعماري إلى مالكه أو إلى الحاكم.

هكذا هو الحال لأكثر من قرن ؟

إن مهنة العمارة في ليبيا خلال النصف الاول من القرن العشرين كانت تمارس فعليا من قبل اجانب من جنسيات مختلفة، ولم يبدأ الحضور للمهني المعماري الليبي إلا مع بدايات النصف الثاني وبشكل محدود لقلة عدد الذين تمكنوا من تحصيلهم المعرفي بدول الجوار. كما أن طوال فترة الإحتلال الإيطالي لليبيا، لم تسعى الحكومة الكولونيالية الإيطالية لتأسيس مؤسسة تعليم معماري في ليبيا بل أحتكر العمل المعماري كليا المعماريون والمساحون الإيطاليون.

اقترن تاريخ نشأة المؤسسة التعليمية المعمارية في ليبيا والعالم العربي بالطلب المتزايد على المهنيين في هذا المجال، كما تزامن تأسيس معظمها بالصراع المنهجي الدائر بين المدارس الأجنبية وتأثرها بشكل عام بالحداثة, وقد يكون في سرد مقتطف من تاريخ تأسيس مؤسسات التعليم المعماري في دولتي الجوار؛ مصر وتونس، تمهيدا موضوعيا لخلفيات تأسيس التعليم المعماري في ليبيا. لقد أخذت مؤسسة التعليم المعماري في التكون في مصر مع العام ١٨١٦، حيث تأسست مدرسة المهندس خانة في فترة محمد علي[1]، وكانت النواة التي ساهمت في تأسيس الهندسة المعمارية الرسمية وإنتقال عمليات البناء من حرفة إلى علم وفنون تدرس . صاحب تأسيس المهندس خانة فترات أغلقت فيها وتغير موقعها، وأستمر الحال على ذلك حتى تم إعتماد منهجا دراسيا محددا ونظاما يقضي بأن تكون مدة الدراسة خمس سنوات منها سنة إعدادية.

تجدر الإشارة إلى أن الاستقرار ساد التعليم المعماري في مصر حتى بداية الستينيات حيت كانت خطوة فصل العمارة عن السنة الإعدادية بكلية الهندسة تمهيدا لإستقلالها ككلية للعمارة إسوة بمعظم مؤسسات التعليم المعماري الأجنبية، إلا أنه مع العام ١٩٦٨ تم دمج السنة الأولى مجددا إلى السنة الإعدادية بكلية الهندسة إسوة بباقي أقسام كلية الهندسة. شهدت أيضا ستينيات القرن العشرين تأسيس التعليم المعماري في تونس الذي تبلور على الاستشارة الأجنبية وخبرة الجيل الأول من المعماريين التونسيين الذين تلقوا تدريبهم في الخارج. ويمكن الاستدلال بما ورد عن أحد المؤسسين[2] في مدرسة العمارة بتونس عند مطلع الستينيات حين كانت الحاجة متزايدة للمعماريين الوطنيين فكان تأسيس نسخة إقليمية من مدرسة الفنون الجميلة الباريسية التي اقتصر برنامجها الدراسي الابتدائي على ثلاثة سنوات ليتم إيفاد الطلاب للسنة الأولى بباريس.

في سنة 1965، كان القرار حول تدريب الطلاب داخل تونس بهدف توطين التعليم المعماري، إلا أن الإخفاق كان واضحا في ذلك بسبب غربة الأستاذ الذي تلقى تعليمه في فرنسا ولم يحدث تغييرا ملحوظا باستثناء تكثيف المقررات الهندسية لإعداد المعماري في مواجهة لبيئة هندسية تنافسية. عند إغلاق مدرسة الفنون الجميلة بباريس سنة 1969 ، إبان الثورة الطلابية، تراجع حضور هذا البرنامج الفرنسي في بيئة التعليم المعماري في تونس ليشرع المسؤولين في البحث ضمن مراسم أسس التصميم وليدة الباوهاوس الألمانية ويتقرر إدراج هذا المنهج. تزامن هذا الإجراء مع زيارة ويليام بيتشهوفر ليتولي “الاتيليه الأمريكي” atelier American سنة 1969، ملخصا دوره بقوله ” لقد وضعنا منهجا ينوي الاستجابة لحاجات التونسيين. هو في واقع الأمر ليس نسخة طبق الأصل من أي منهج أخر بل تكوين من الأفكار”[3] .

إن الاتجاهات الفكرية التي سادت الفكر الثقافي المعماري العالمي في الستينيات من القرن الماضي، والتي يبرز بينها الاتجاه الذي تبناه بعض المعماريين والمنظرين، كان له أثره في خط التعليم المعماري العربي عموما والليبي على وجه الخصوص. هذا الاتجاه هو الأسلوب الطرائقي Methodologist، المؤسس على المنهج الإجرائي الوصفي Prescriptive model.

إن الحال لم يكن مختلفا في ليبيا، فلقد كانت المحاولة عام 1969، لتأسيس أول مؤسسة تعليم معماري في ليبيا[4]، وكانت كلية الهندسة بالجامعة الليبية في طرابلس هي المهد لقسم العمارة والتخطيط العمراني الوليد، وشرع في تطبيق نظام خمس سنوات أكاديمية مع فصل السنة الأولى إعدادي عن المرحلة العامة لباقي أقسام الكلية لفترة زمنية أمتدت إلى عشرة سنوات. شهد العام ١٩٧٨ إستحداث نظام الفصل الدراسي، وفي ظل هذا التحول، وتلبية لشروط كلية الهندسة لضمان الحد الأدنى لمتطلبات التأهيل الهندسي في برنامج التعليم “الهندسي” المعماري، تم دمج السنة الأولى مجددا إلى السنة الإعدادية بكلية الهندسة إسوة بباقي أقسام كلية الهندسة.

شكل متطلبات (التأهيل) الهندسي وعاء زمنيا يقارب ثلث الزمن المخصص للتأهيل الإجمالي لخريج التعليم المعماري، في حين تقاسم النظرية والتدريب الثلثين الباقيين. ويمكن القول بأن الحال دام على مر السنوات وحتى تاريخ كتابة هذه الورقة دون تغير يذكر رغم المحاولات المبتورة من القسم لتعديل نظام الدراسة بما يفي وتحقيق مساحة زمنية كافية للتدريب. وخلاصة القول أن سلبيات التطبيق لنظام الفصل الدراسي وغياب منظومة توافقية بين الكليات والأقسام، وتعثر الإدارة الأكاديمية، دفع إلى غياب مزايا مرونة التحصيل العلمي كتلك التي يوفرها نظام الفصل الدراسي.

الممارسة المهنية المعمارية الليبية والتطلع إلى المعايير الدولية

صاحب وضع المنهج التعليمي المعماري،الذي يمكن قراءته كنسخة منقحة عن التجربة المصرية، ضغط الحاجة لمواكبة متطلبات الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي للمجتمع آنذاك، فكانت البداية السريعة لتأسيس هذه المرفق التعليمي المعماري في ليبيا، والذي ظل مستمرا باحثا عن هوية وساعيا نحو تأسيس أرضية موضوعية تستجيب للبيئة الثقافية القائمة للمجتمع الليبي وتطلعاته. ولم يتوقف أعداد الخريجيين منذ العام الدراسي ١٩٧٤/ ١٩٧٥ وحتى اليوم وبمتوسط ٣٢.٢ سنويا . ساد الحضور الأجنبي بما في ذلك أساتذة العمارة الوافدين على مناخ العمل المعماري في ليبا وعلى مدى ثلاث عقود إمتدت خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي دون إغفال الحضور المعماري المتواضع للمعماري الليبي خلالها.

مع منتصف السبعينيات، شهد قسم العمارة والتخطيط العمراني بجامعة اطرابلس حفل تخرج أول دفعة، وكان معه أول رصيد وطني من المعماريين يضم إلى ممارسة العمل المعماري الليبي. أصبح عدد الخريجيين في إزدياد ، الأمر الذي بدا فيه إحلال محل المعماريين الأجانب ملموسا لاسيما في مؤسسات الدولة. عدد محدود من المكاتب الهندسية الليبية الخاصة قد بدأت تتكون، ومنحت إذن ممارسة العمل الهندسي والمعماري من قبل نقابة المهن الهندسية. عدد من المحاولات تمت بغرض تنظيم مسار العمل المعماري والوسط المعماري الليبي، إلا أنه لم يكتب لأي منها النجاح، وقد يكون مرد ذلك محاصرة العمل النقابي من قبل نظام الحكم، وعدم قناعة الوسط النقابي الهندسي باستقلالية هندسة العمارة، ومحدودية آهلية عناصر الوسط المعماري للعمل النقابي وإدراك مسؤولياته.

كانت حصة الشركات الأجنبية في العقود الأخيرة للعمل على مشروعات كبيرة في ليبيا قد قاربت كل المطروح من عطاءات، وبالمقابل كانت حصة المعماريين الليبيين محدودة جدا، وبمشاركة إستثنائية ندر معها التدريب المهني المطلوب، فضلا عن أن المعايير والمواصفات التي استندت عليها هذه المشروعات جلها دولية ولم يتأتى توظيف أي منها في إرساء المواصفات والمقاييس الوطنية.

من جانب أخر تبدوا ظاهرة في صالح خريجي أقسام هندسة العمارة في ليبيا وهي في قدرتهم على إستكمال متطلبات الدراسات العليا في الجامعات الأوروبية والأمريكية وكندا وأستراليا ودول آسيا بنجاح. هذا مرده جملة من الأسباب تأتي في مقدمتها أن المناهج ومفرداتها كان قد تم نسخها من أقسام العمارة في الدول الأخرى، إضافة إلى طرق وأساليب التدريس، كما أن أعضاء هيئة التدريس قد حازوا درجاتهم العلمية العليا من الجامعات الأجنبية، دون إغفال أن المراجع والكتب والدوريات أجنبية. لذا فلقد أثبت ذلك أنه وعلى مستوى الأفراد يوجد عدد محترم من المعماريين الليبيين الذين يتمتعون بقدرات تنافسية، ومستوى خلاق في ممارسة المهنة يضاهي المستويات الدولية، إلا أن الصعوبة تكمن في غياب المناخ المهني المتميز على المستوى المعماري الجماعي.

بيئة العمل المعماري في ليبيا بمقاييس مهنية دولية.

تبوا للوهلة الأولى أن الأمر معقدا قد يحول دون تحقيق المنشود في خلق بيئة عمل معماري ليبية بمقاييس دولية تكفل وجود مناخ مهني جماعي ومؤسساتي متميز. إلا أن بالتمعن قليلا في مركبات هذه المعادلة يجد إن ذلك ليس بالمستحيل إذا ما تكافلت الجهود وخلصت النوايا. فالبيئة التعليمية التدريبية وسوق العمل يفتقدان مساحة التواصل والتفاعل، والسبيل إلى تجاوز ذلك هو أن تتبوأ المؤسسة المهنية موقعها كوسيط بين المؤسسة التعليمية المعمارية الوطنية من جهة وبين بيئة العمل من أرباب عمل، ومشروعات، ومواصفات ومعايير من جهة أخرى.

إن توافر أرضية مشتركة تجمع الأطراف المؤثرة فعليا في كفاءة الأذاء المهني المعماري الليبي يمكن أن تكفل تكون مناخ تفاعلي تكاملي فيما بينها. وقد يشترط في تحقيق هذا التفاعل مراجعة مكونات كل طرف على حده، ومحاولة إعادة ترتيبها وتأهيلها بما يمكنها من أداء دورها التفاعلي بشكل فاعل ومؤثر. إن الروح التكاملية يجب أن تسود العلاقة المهنية الرابطة ضمن مساحة تفاعل تسودها التوافقية وترسم خطاها المسؤولية المشتركة لتحقيق بيئة عمل معماري دولية في ليبيا.

 ١١١

مؤسسة التعليم المعماري والممارسة المهنية

كانت الثورة الصناعية قد أسهمت في القفزة النوعية التي نجدها في العمارة، تبلور التعليم المعماري ومؤسساته، وتطور التدريب المعماري. فلقد كانت التقنية وحدها العامل الفاعل والمؤثر آنذاك، بينما اليوم فلقد أصبحت سمات التخصص الدقيق جدا هو ما يصبغ العمارة ومجالات ممارستها. العمارة اليوم لم تعد تنحصر في عمليات تدريب ونقل معرفي من جيل إلى جيل كما أنها لم تعد مجرد مهارات حرفية فنية كما هو الحال في النجارة والحدادة، فالعمارة اليوم وبرنامجها التعليمي تحدده مساحات البحث الإلزامية والتدريب في مجالات معرفية متنوعة وذات علاقة كالمحافظة وتأهيل المرافق الأثرية، والدراسات السلوكية، الطاقة وتطبيقاتها، كفاءة الأداء الحراري والوظيفي للمباني، إقتصاديات المباني، فضلا عن الهندسة بفروعها ومنظومات الإنشاءات وغيرها.

لا تهدف الورقة هنا الجدل حول نماذج التعليم المعماري وأنماط التدريب به، بالقدر الذي تنشد فيه إعتبار حالة التكامل بين شتى الفروع المعرفية ذات العلاقة بالعمارة. من هنا تكون الدعوة واجبة “لمعلمي العمارة” في ليبيا لتبني أهداف موحدة وصيغة مشتركة حتى ينطلق برنامج حواري هادف يتم من خلاله رسم آلية التكامل المعرفي للعمارة والحقول المعرفية الأخرى. إن طرق تعليم العمارة ومناهج البحث خاصتها تتطلب التجديد، لذا يبدوا أنه لزاما على المؤسسة التعليمية أن تكون طرفا حواريا مع “معلمي الفروع العلمية والمعرفية ذات العلاقة” و ممارسي العمل المهني المعماري. هذا المنتدى الحواري سيحقق كمرحلة أولى أهمية التبادل المعرفي وإدراك نقاط التقاطع من خلال مشاركة رصيد الخبرة لكافة الأطراف.

إن هذا اللقاء الحواري يجب أن يشتمل على حلقات للنقاش تتمحور مواضيعها حول طرق التعليم ومناهج البحث التي يتم تطبيقها في المعارف الأخرى، كنظم ونظريات الإنشاء، والأداء الحراري للمباني، والإضاءة والصوتيات وغيرها من العلوم، والعمل على مقاربتها أو مقارنتها بتلك السائدة في مجال التعليم المعماري. إن المشهد الحواري يجب أن يشكل محورا رئيسيا في برنامج التعليم المعماري المستقبلي في ليبيا، فالخبرات السابقة الناجحة سترسم طرق تدريس كفيلة بلفت عناية وإهتمام “معلمي العمارة”، الذين تباعا سيتم تبنيهم لمحاولة التطبيق الملائمة.

من المهم أيضا الإشارة إلى دور المشاركة الفعالة التي يجب أن تتوفر للطالب، فالوقوف على الخبرة الطلابية والبحث في المبادئ المشتركة في الوسط الطلابي وقناعاتهم حيال طرق التعليم المعماري، ستكون أكثر جدوى لنوايا التطوير بدلا من الإستعانة فقط بقواعد إفتراضية لإستخلاص نتائج تطبيقاتها.

إن تكامل المعارف الأساسية والداعمة للتعليم المعماري، تشكل حجر الزاوية للممارسة المهنية المعمارية الفعالة. كما أن إحتواء التغير وإدراك متطلبات سوق العمل، ومتابعة التطور في صناعة البناء بما في ذلك من لوائح وتشريعات، ومعايير ، ومواصفات، ومواد بناء ، وتقنيات، سيشكل رافدا قويا للإقتراب من بيئة العمل المعماري المؤهلة. إن التطور والتغير الذي يطرأ على متطلبات سوق العمل وصناعة البناء كثيرا ما يكون رهين التأثير الذي تفرضه جملة من الأسباب والمتغيرات التي قد يكون مصدر نشأتها تنافسية السوق. لذا سيكون حضور المؤسسة المهنية الراعية لازما، فمن خلال نشاطها الراعي يمكن لها متابعة مجريات الأحداث وقراءة المؤشرات ورسم توقعات التغير والتقلبات.

الجمعية الليبية للعمارة تبدوا وكأنها التسمية الملائمة لمؤسسة تقوم على رعاية كلا من العمارة والمعماريون. إن المعماريين بحاجة إلى رسم الدور المهني المسؤول لنشاطهم وتعريف ذلك لهم وللمجتمع ومؤسساته، كما يلي ذلك تنظيم ممارسة العمل المعماري بشكل يكفل توافر البيئة المهنية له. إن الجمعية الليبية للعمارة بمثابة الأرضية المشتركة لمؤسسات التعليم المعماري، المكاتب الإستشارية، وسوق العمل وصناعة البناء. وهي بهذه الصفة تملك فرصة رأب الصدع، والتنسيق وخلق بيئة حوارية مسؤولة بين جميع الأطراف. فبيئة التفاعل وتكاملها بين الأطراف ستكون متأتية، في حال تمكن الجمعية من توفير مناخ الحوار والتواصل بين إحتياجات التعليم المعماري، وتطلعات الممارسة المهنية المعمارية، ومتغيرات سوق العمل، ومستجدات صناعة البناء.

توصية ببرنامج تطوير مقومات النشاط المعماري الليبي

ليبيا تضم بمختلف مدنها مؤسسات تعليم معماري متعددة بين عامة حكومية وخاصة، وجميع هذه المؤسسات قد حرصت على حضورها مكانيا وباستجلاب أساتذة للتدريس، وإعداد برامجها التعليمية. دأبت هذه المؤسسات التي تراوحت أعمارها مابين العشر سنوات وخمسة وأربعون عاما على تخريج دفعات متتالية بمسمى مهندسون معماريون. ولا شك في أن السواد الأعظم من هؤلاء الخريجيين يمارسون نشاطهم المعماري في القطاعين العام والخاص.

إن هذه المؤسسات التعليمية المعمارية تفتقر إلى وجود أرضية مشتركة فيما بينها لضمان مايلي:

  • إعتماد المناهج التعليمية ومحتويات المقررات.
  • تطوير البحث العلمي.
  • البيئة التنافسية
  • مواجهة حقيقية ومسؤولة لمتطلبات سوق العمل.
  • مواكبة معايير الإعتماد المهني الدولية
  • مراقبة وضمان الجودة

إن غياب هذه الأرضية المشتركة شكلت فراغا كان معه ضعف الأداء لجل مؤسسات التعليم المعماري في ليبيا، وقد يكون من الضروري تواجد مؤسسة راعية وحياديةكالجمعية الليبية للعمارة تعمل على تحقيق التواصل بين مؤسسات التعليم المعماري الوطني والمؤسسات الدولية المناظرة. لذا فإن الجمعية الليبية للعمارة يجب أن تبادر بالدعوة لإختيار “معلمي العمارة” في جميع المؤسسات التعليمية المعمارية للمشاركة في حلقات نقاش تمهيدية تستهدف من خلال سلسلة من الإجتماعات والنقاش الوصول إلى برنامج عمل علمي ومسؤول يتحقق مع وحدة الأهداف ومحددات التعليم المعماري وضوابطه ومعايير التقييم. إن الجمعية الليبية للعمارة في رعايتها لهذه الخطوة الإبتدائية ستملك بموجبها تنظيم الخطوة التالية في بناء أرضية الحوار والمؤسسات المهنية وحاجة سوق العمل وتنظيم سوق العمل.

ليبيا قادمة على مرحلة تعمير وإعادة بناء جبارة، وهذا الأمر يتطلب حضور المعماري الليبي بقوة وكفاءة فاعلة، حتى يتسنى للمؤسسة المهنية المعمارية الوطنية التواجد ضمن بيئة عمل تنافسية دولية… إن الإستعداد لذلك أمر يجب أن يشغل الوسط المعماري كمعلمين ومهنيين بل ويجب الشروع في وضع حجر أساسه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] – محمد علي هو وال حكم مصر في بدايات ١٨٠٥ حيث قام باصلاحات بعد أن تخلص من نفوذ المماليك

[2] – William B. Bechhoefer, Architectural Education in Developing Nations: Case Studies in Tunisia and Afghanistan, JAE, Journal of Architectural Education, Volume XXX No.4, 1977. pp 19-22

[3] – Ibid, p. 21

[4] – دليل الجامعة الليبية، 1971-1972 ص.210-215

The Roman Umbrella PINE شجرة الصنوبر في روما

PINE6

خطر لي الكتابة عن أشجار الصنوبر في روما بجذوعها السامقة الراقصة، وتيجانها الورقية الكثيفة والمنبسطة كمظلات تتناثر في مجموعات وأخرى منفردة بين أطلال حضارة سادت يوما حوض البحر الأبيض المتوسط. أشجار تصل إرتفاعاتها أكثر من عشرون مترا، وهي نوع لها ثمار يعرف بالصنوبر إستعماله شائع في بلاد البحر الأبيض المتوسط وقد يكون لبنان تتمتع بغابات كبيرة منه. الصنوبر كما يصفه أهل العلم بالنبات، يجب أن يتحقق له درجة الحرارة والإضاءة وتلائمه الأتربة الرملية ذات نفاذية عالية .. أشجار الصنوبر المثمر في روما لم يكن يوما للخشب.

 PINE5PINE7

روما الرومانية الظاهرة بأطلالها الطوبية والحجرية والرخامية، بأقواسها وأقبيتها وقبابها تكوينات معمارية تحمل في ثناياها الإبتكار الروماني الإنشائي الذي فسح المجال لبحور التسقيف الفسيحة، تستدعي الجلوس والتأمل، فخطوط عمران الأطلال تبوح بأسرارها الهندسية الرقمية ذات الموروث الكلاسيكي لعمائر الأغريق والرومان. خطوط حادة وكأنها تعلن تضادها وذلك التناغم الراقص لأشجار الصنوبر بظلالها. أشجار الصنوبر هي الأخرى لم تعبأ كثيرا بعمران الرومان فلقد أستمرت بحضورها تتوارث الحياة إستمرارها.

 

حتما لن تضيف الكلمات هنا شيئا … !

PINE8 PINE4 PINE3 PINE2